المقالات

عادات العقل وضرورة تنميتها في تعليم وتعلم الرياضيات 

مع دخول الألفية الثالثة، أضحت قوة الأمة في عصرنا الحالي تقاس ليس بامتلاك المعرفة فحسب، بل في القدرة على تخليقها، وابتكارها، ولعل هذا ما يفسر تسمية هذا العصر عصر التقنيات العلمية، ولذا فإن الأمة التي ما زالت تعتاش على مخلفات الأمم مما تجود عليها من أوجه المعرفة؛ إنسانية كانت أو اجتماعية أو علمية، قد كتبت على نفسها أن تتخلف عن ركب التقدم في عصر لم يعد فيه لمثلها مكان فيه، ولذا فقد اتجهت الأمم التي تحرص أن يكون لها موطئ قدم في هذا السباق المحموم للقوة إلى شحذ همم التربويين فيها لتسخير كل طاقاتهم في تعديل النظام التعليمي والاهداف العليا فيه ليكون قائما على إعداد أجيال من الناشئة قادرة على الإبداع والابتكار.

وهذا فرض على التربويين العمل على تعديل المناهج المدرسية الغنية بالأنشطة القائمة على الحفظ الأصم واستبدالها بأنشطة واقعية غنية مبنية على الفهم والتفكير مما يعمل على تنمية قدرات الطلبة المعرفية والمهارية والعقلية، وذلك بالعمل على توجيه دفة العملية التعلي��ية التعلمية إلى الطالب بكونه محور العملية التعليمية التعلمية، بدل المعلم الذي كان يعمل على حشو أذهان الطلبة بالمعرفة المفاهيمية دون التركيز والاهتمام بالمعرفة الإجرائية، والتي تتطلب  امتلاك الطلبة القدرة على التفسير والتبرير والاستنتاج والتحليل والنمذجة والتخيل وحل المشكلات واتخاذ القرار.

إن امتلاك الطالب القدرة على التفكير من خلال تنمية مهارات التفكير العليا يقع الأن في قمة هرم العملية التعليمية التعلمية وهذا ما تطلب من التربويين والقائمين على إعداد المناهج الاهتمام باستحداث الطرق والاساليب التعليمية التي تعمل على اكتساب الطالب عادات العقل.

ورغم أن مفهوم عادات العقل يرجع إلى مارزانو وآخرين ((Marzano et al, 1992 عندما قدموا تصورا نظريا عن أبعاد التعلم والذي يتضمن: الاتجاهات والتصورات الإيجابية لعملية التعلم من أجل اكتساب وتكامل المعرفة، وتوسيع المعرفة، واستخدام المعرفة بشكل هادف، وتنمية عادات العقل المنتج لدى المتعلم، إلا أن الفضل يرجع لكل من  كوستا  وكاليك (Costa & Kallick, 2007) عندما تبنوا فكرة عادات العقل عام ((1982 من خلال العديد من المناقشات العلمية الهادفة قبل تطوير الفكرة وتطبيقها داخل الغرف الصفية.

أشار كويلد (Gauld) المشار إليه في (وهيبي، (2019 إلى أن عمليات عادات العقل وما يرتبط بها من تنمية التفكير وأنماطه المتعددة، من الأهداف الأساسية لتعليم وتعلم الرياضيات المدرسية، فالتفكير مدخل المعرفة والتي تُكتسب بدورها بالتفكير الذي  يرتبط بمجموعة من العادات التي من الضروري أن يتحلى بها الطلبة كطريقة عرضهم للأفكار وتنظيمها، واستراتيجيات التنظيم الذاتي، وغيرها من عادات العقل المهمة التي تعمل على اكتساب المعرفة.

ولعادات العقل تعريفات تعددت بتعدد وجهات النظر التي تناولتها؛ فقد عرفها ليكن (Leikin, 2007) بأنها عبارة عن مزيج من الاستراتيجيات القائمة على نظريات التعلم المعرفية والاجتماعية والبنائية ونتاج أبحاث الدماغ والنظريات المفسرة للذكاء العام والذكاء الوجداني، فيما عرفها كوستا وكاليك (Costa & Kallick, 2009     (بأنها مجموعة من التكوينات المعرفية التي تشكل جُزءا من البنية المعرفية للأفراد وذلك لتوظيفها في المواقف المتنوعة، من أجل إيجاد الحلول للمشكلات أو استدعاء السلوك الملائم لموقف ما، في حين عرفها علام (2008) بأنها مجموعة من الأساليب التي تتضمن العمل النشط من جانب المتعلم في بناء أو تكوين مجموعة من المخططات التي يوظفها في فهم المادة التعليمية وإضفاء المعنى والدلالة عليها. وعرفها مازن (2011) بأنها اتجاه عقلي عام مميز لسلوكيات الأفراد من أجل توظيف الخبرات السابقة في المواقف السابقة في المواقف الجديدة المتنوعة. وعرفها جوديل (Goodell, 2004) بأنها نتاج لمجموعة من التغيرات الفيزيقية في الدماغ التي تتطور منذ الميلاد واعتماداً على مقدار احتكاك الفرد بالبيئة المحيطة واكتسابه العديد من المعارف والمهارات والخبرات التي تساعده على إصدار مجموعة من الاستجابات المتوافقة مع المواقف المختلفة وإيجاد الحلول للمشكلات المتنوعة، فيما عرفها نوفل (2008) بأنها مجموعة من التفضيلات الشخصية أو السلوكية التي تؤدي إلى انتقاء مجموعة من الاستجابات الملائمة والمتوافقة مع تطلعات ��لفرد لموقف أو مشكلة ما.

ويتضح من التعريفات السابقة أن عادات العقل ترتبط ارتباطا وثيقا بجميع نظريات التعلم المعرفية Cognitivism والبنائية Constructivism والاجتماعية  Social.

وأشار صادق (2011) إلى أن هناك أربعة مبادئ رئيسة تنبثق من البحوث المعرفية والتي تؤكد ضرورة تنمية عادات العقل؛ تتمثل في: مساعدة الطلبة على تنظيم معارفهم، والبناء على ما لديهم من معارف، وتسهيل عملية تجهيز ومعالجة المعلومات، وتسهيل التفكير العميق وجعله واضحا.

و ذكر كل من كوستا وكاليك (Costa & Kallica, 2003) المذكور في (عبدالرحيم، (2018 مجموعة من الخصائص التي تميز عادات العقل؛ والتي تتمثل في: القيمة: القدرة على اختبار وتوظيف نماذج معينة من السلوك الإيجابي والذي يتسم بالعقلانية والقدرة على توليد الأفكار وبدائل الحلول بصورة متوازنة (زيتون، (2010، والرغبة: وهي الشعور الإيجابي نحو استعمال نموذج من نماذج السلوكيات الإيجابية والتي تتصف بالعقلانية والتي يفضل استخدامها وتوظيفها من أجل تحقيق أغراض محددة (قطامي، (2007، الحساسية: وهي الاندماج مع المواقف المختلفة بما يتوافق مع مجموعة المهارات واستراتيجيات التفكير التي يمتلكها الفرد ويستطيع توظيفها ببراعة بشرط توافر القدرة لديه على الحكم متى يمكنه استخدام هذه المهارات، القدرة: تمكن الفرد من القيام بأنواع التفكير التي تحتاج إليها المشكلات من خلال إعداد الفئات لترتيب الحقائق واستخدام الحجج المنطقية لإقناع الأخرين (عمران، 2014)، الالتزام: وه�� حرص الفرد على تعلم المهارات والمعارف الجديدة باستمرار.

أشار برجيس ((Burgess, 2012 إلى أن الطلبة الذين يمتلكون عادات عقل جيدة يميلون إلى التنظيم في حياتهم وتقبل الأمور المختلفة بمرونة مرتفعة، كما أشار الشمرى (2013)إلى أن بعض عادات العقل مثل التساؤل وحل المشكلات ترتبط بالمرونة العقلية على إيجاد الحلول الع��يدة للعديد من المعضلات التي تواجه الفرد.

أكد أحمد (2013) على أهمية اكتساب عادات العقل والتي تتمثل في: إتاحة الفرصة للطلبة لرؤية تفكيرهم الخاص واكتشاف كيفية عمل العقل أثناء حل المشكلات، واكتساب الطلبة عادات مفيدة في الحياة العملية مثل المثابرة والتقييم والتفكير في التفكير(التفكير فوق المعرفي)، ومساعدة الطلبة على اكتساب القدرة على مزج قدرات التفكير الناقد والابداعي والتنظيم الذكي، واختيار الإجراء المناسب للموقف الذي يمر به الطالب، وتشجيع الط��لب على امتلاك الإرادة تجاه استخدام القدرات والمهارات العقلية في جميع الأنشطة التعليمية والحياتية حتى يصبح التفكير لدى الطالب عادة لا يمل ممارستها، ومساعدة الطالب على التخطيط بدقة في ضوء متطلبات المهمة التي يقوم بها ووفق معايير يضعها بنفسه لتقييم أدائه في ضوئها.

ذكر قطامي وثابت (2009) وصفا لعادات العقل على النحو الآتي: المثابرة، والتحكم بالتهور، والإصغاء بتفهم وتعاطف، والتفكير بمرونة، والتفكير في التفكير (التفكير فوق المعرفي)، والتساؤل وطرح المشكلات، وتطبيق المعارف السابقة على مواقف جديدة، والكفاح من أجل الدقة، والتفكير والتواصل بوضوح ودقة، وجمع البيانات باستخدام جميع الحواس، والخلق والتصور والابتكار، والاستجابة بدهشة ورهبة، والإقدام على مخاطر مسؤولة، وإيجاد الدعابة، والتفكير التبادلي، والاستعداد الدائم للتعلم المستمر.

الرياضيات علم قائم على التجريد مكون من مفاهيم ورموز وحقائق ومسلمات وبديهيات ونظريات، من الصعب استيعابها بدون فهم وتفكير، وهذا ما يجعل الطلبة ينفرون من تعلمها، لعدم امتلاكهم لمهارات التفكير العليا، ولذا كان لزاما تدريب الطلبة على عادات العقل لتنمية مهارات التفكير العليا لديهم.

وقد لاقى مجال تعليم وتعلم الرياضيات المدرسية اهتماما كبيرا في السنوات الأخيرة في الأردن حيث تم تطوير برامج تعليم الرياضيات وإعادة صياغة مناهجها.

أوضح جروتزر (Grotzer, 2011) إلى أن اكتساب الطلبة لمهارات التفكير في دروس الرياضيات ليس كافيا، وإنما تعتبر دروس الرياضيات فعالة حين تُمُكِّنُ الطلبة من أن يكون لديهم درجة عالية من الحساسية لاستثمار فرص تطبيق مهارات التفكير، مع تنمية اتجاه نحو البحث عن طرائق تطبيق مهارات التفكير، وكذلك مهارات الطلبة في التفكير خلال مواقف حياتية وبمسارات مختلفة، والتواصل مع الآخرين لتبرير أنماط ومسارات تفكيره، كما أشار إلى أهمية تنمية عادات العقل المنتج في الرياضيات فيما يلي: بناء ثقافة التفكير الرياضي الجيد داخل حصة الرياضيات وخارجها، وتوعية الطلبة بأهمية تنظيم فرص ومواقف التفكير الرياضي بصورة جيدة وتقييمها، وتزويد الطلبة بقناعة كبيرة نحو التفكير وممارسة عادات العقل، كونها مرتبطة بدرجة كبيرة بالحياة.

أكد جيل (Gail, 2006) على أهمية تنمية عادات العقل المنتج في الرياضيات باعتبارها مجموعة من السلوكيات الذكية التي تدعم استمرارية الطلبة في تعلم الرياضيات وتُنمي المرونة في تفكيرهم وقدراتهم على التواصل الرياضي وبناء الدافعية للتعلم والمثابرة في حل المشكلات الرياضية والتكامل بين توظيف الحواس والاستثارة الذهنية للعقل الرياضي. فعادات العقل المنتج تسهم في بناء عقل الطالب رياضيا.

ذكر كين (Kien, 2013) أن عادات العقل في الرياضيات تتضمن الآتي: البحث لفهم الأنماط القائمة على البنية المفهومة ضمنيا، وعمل تشابهات من خلال إيجاد نفس البنية لموضوعات رياضية مختلفة، وعمل تخمينات والتحقق منها حول بعض الموضوعات الرياضية، وإنشاء نماذج عقلية أو حسية لأمثلة ولأمثلة لموضوعات رياضية، وإعطاء قيمة محددة ودقيقة للتعاريف الرياضية، تقدير فهم لماذا تتكون العلاقات، تقدير الحجج المنطقية وإيجاد أمثلة مضادة لقناعاتنا، واستخدام لغة دقيقة، والقدرة على التفريق والتمييز بناء على اللغة، وتقدير قيمة الرموز والتمثيلات الرياضية.

وبالرجوع إلى الأدب التربوي والدراسات السابقة المتعلقة بعادات العقل، فقد أجرت وهيبي ((2019 دراسة هدفت إلى تقصي أثر استخدام نموذج الحل الإبداعي للمشكلات في تحسين عادات العقل والقدرة على حل المسألة الرياضية لدى طلبة الصف التاسع الأساسي، كما أجرت محيسن وزيتون (2016) دراسة هدفت إلى استقصاء مستوى اكتساب طلبة المرحلة الأساسية لعادات العقل حسب مشروع 2061 العالمي في الصفوف الأساسية: الخامس والسابع والتاسع وعلاقته بمتغيرات المستوى التعليمي والجنس والتحصيل الدراسي، كما أجرت حليوه (2015) دراسة هدفت إلى التعرف على أثر برنامج مقترح قائم على عادات العقل في تنمية القوة الرياضية وعملياتها لدى الطلبة المعلمين (قسم التربية- تعليم أساسي) في جامعة القدس المفتوحة بغزة، رسالة ماجستير، كلية التربية، جامعة القدس المفتوحة، غزة.

✨#مدونة_المناهج_السعودية✨

👌لتبقى على تواصل بكل جديد إنضم✅

👇 👇 👇

https://t.me/eduschool40

عادات العقل وضرورة تنميتها في تعليم وتعلم الرياضيات – مدونة المناهج السعودية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تع��يل إضافة Adblock